ثقافة فيلم وين ياخذنا الريح : المخرجة آمال القلاتي تكسر التابوهات لترسم صورة صادقة لجيل الإحباط
ونحن نتابع أفلام الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، لاحظنا أنّ "التيمة" الطاغية والمهيمنة على معظم الأعمال، وخاصة التونسية منها، هي حلم الشباب بالهجرة ومغادرة أرض الوطن، وكأن بهذا الموضوع يتحوّل إلى ظاهرة لا وطنية فحسب بل وسينمائية أيضا، وفيلم "وين ياخذنا الريح" للمخرجة التونسية آمال القلاتي، لم يشذ عن هذا المسار، بل قدّم شهادة بصرية مؤثرة عن جيل وجد نفسه معلّقا بين أفُق وعود الثورة وقسوة مرارة الواقع.
تدور أحداث "وين ياخذا الريح" الذي يشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة لأيام قرطاج السينمائية، حول شخصيتين متناقضتين تجمعهما صداقة متينة، هما عليسة (آية باللاغة)، الشابة المتمردة، الجريئة، والاندفاعية ذات التسعة عشر عاما، التي تحلم بالجنة الموعودة في بلاد "العم سام"، وفي الوقت ذاته تتحمل مسؤولية والدتها المريضة وشقيقتها الصغرى بعد رحيل والدها، ومهدي (سليم بكار)، الشاب الهادئ، الخجول، ذو الثلاثة وعشرين عاما، وهو من أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل، يعيش تحت وطأة ضغوطات عائلية قاسية تجبره على البحث عن عمل لا يتناسب مع مؤهلاته العلمية، ليجد متنفّسه الوحيد في الرسم.
تنطلق رحلة هذين الشابين المتناقضين في الهروب من واقعهما الخانق، وتتشابك خيوط أحلامهما في مسابقة فنية تقام بمدينة جربة تحت عنوان "جربة ترسم"، تحث عليسة مهدي على المشاركة بحماس، وترسم له أحلاما وردية، خاصة وأن الجائزة هي رحلة إلى ألمانيا، ما يمثل لهما طوق نجاة للتخلص من واقعهما المرير والفرار إلى برّ الأمان المنشود.
تبحث عليسة عن واقع بديل، عن عالم آخر خال من المسؤوليات والفقر، وتورّط مهدي في رحلة مصيرها مجهول.
ترافقهما كاميرا آمال القلاتي في رحلتهما إلى جربة، لتصوّر الصعوبات والعراقيل والمطبات التي لا تنتهي، ولئن تبدو لك هذه الصعوبات في الوهلة الأولى عادية، كالحاجة إلى الطعام والمال، فإنها في حقيقة الأمر تعكس جدار العوائق الذي يعترض طريق الشباب الحالم بمستقبل أفضل.
تحاول عليسة طيلة الرحلة إيجاد حلول لكل مشكلة تعترضهما، متمسكة بخيط الأمل الذي اعترى شباب "الربيع العربي" قبل أن يخيب ظنّه في النهاية.
لم تنجح المخرجة آمال القلاتي في طرح موضوع شائك من خلال قصة بسيطة لشابين حالمين فحسب، بل تمكنت ببراعة من رصد تذبذب مشاعرهما المتناقضة بين وميض الأمل وظلام الإحباط، بين ضحكة الفرح ودمعة البكاء.
وهنا يجب التنويه بأهمية الكاستينغ الموفّق والأداء المتميز جدا لكل من آية باللاغة وسليم بكار، اللذين شكّلا ثنائيا لخص بإتقان مشهدية مشاعر الشباب التونسي وعالمه الغامض.
تعتمد المخرجة في بعض مشاهد "وين ياخذنا الريح" على الخيال الجامح، حيث ترسم عليسة أحلامها البريئة والمضحكة كملاذ لكسر فظاعة الواقع والاستماتة في البقاء والاستمرار، وكأن بالأحلام هي الشيء الوحيد المتبقي لنا في زمن الإحباط. في المقابل، نرى رسومات مهدي المليئة بالألم والانكسار، بين أحلام عليسة الطائشة والصاخبة ورسومات مهدي الواقعية المثقلة، تمزج آمال القلاتي بين الواقعية القاسية والفانتازيا الهاربة، مما يشكّل عالما فوضويا لا يختلف كثيرا عن عالم شباب اليوم.
في "وين ياخذنا الريح"، تضحك وتبكي في اللحظة ذاتها، إنه فيلم يخلق داخلك مشاعر متناقضة ويربك يقينك، ويدفعك إلى طرح العديد من الأسئلة، لعل أهمها: "تونس إلى أين؟".
تنتهي رحلة عليسة ومهدي بوصولهما أخيرا إلى "جزيرة الأحلام"، جربة، وهما على يقين من الفوز، لكن رياح سيناريو آمال القلاتي تهب بما لا تشتهي رغبة المشاهد، فتعصف بأحلام عليسة ومهدي وأحلامنا جميعا، لينتصر جبروت البيروقراطية على طموح الشباب، وينتصر المال والمكانة الاجتماعية على الإصرار والتحدي.
وتذهب الجائزة إلى غير مستحقها، تماما كما تبخّرت شعارات الثورة وأهدافها. في حقيقة الأمر هي نهاية متوقعة رغم مأسويتها وسوداويتها، وهي الأقرب إلى الواقع المرير منها إلى الأحلام الوردية الزائفة. فيلم "وين ياخذنا الريح" صوّر لنا قصة بسيطة عن الصداقة، عن اندفاع الشباب وحماسهم وأحلامهم المشتعلة، لكنه واجهنا في المقابل بالحقيقة المرّة .. حقيقة مرارة الواقع وتبخّر الأحلام في ظل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.
ختاما، نشير الى أن اعتماد آمال القلاتي على بعض المشاهد الجريئة في الفيلم أو الألفاظ النابية، لم يكن مسقطا أو مجانيا، بل جاء ليعكس بصدق فظاعة هذا الواقع، إضافة الى كون اللغة المعتمدة لا تختلف عن لغة شباب اليوم الذي يمتلك لغته ومفرداته الخاصة .
سناء الماجري